هل يصح حديث حصير في البيت خير من امرأة لا تلد؟
Faith and Belief · Hanafi
Question
فقد انتشر في بعض الكتب والمواقع أثرٌ يُنسب إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه بألفاظ منها: «لحصير في ناحية البيت خير من امرأة لا تلد»، أو «حصير في بيت خير من امرأة لا تلد».
فنرجو من فضيلتكم بيان الآتي: 1. هل يصح هذا القول مرفوعاً إلى النبي ﷺ أو موقوفاً على عمر بن الخطاب رضي الله عنه من حيث الإسناد؟ 2. ما التوجيه الشرعي والحديثي لهذه المقولة في حال ثبوتها أو عدم ثبوتها، خاصة وأن العقم قدرٌ من الله تعالى لا يد للمرأة فيه؟
جزاكم الله خيراً ونفع بعلمكم.
Answer
بسم الله الرحمن الرحيم
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
أولاً: تخريج الأثر وحكمه من حيث الإسناد
أما من حيث الرفع إلى النبي ﷺ: فلا يصح هذا القول مرفوعاً إلى النبي ﷺ، ولم نجد له أصلاً في دواوين السنة المعتمدة، ولا في كتب الحديث المشهورة. فليس له إسناد صحيح ولا ضعيف يرفعه إلى النبي ﷺ، بل هو منكر من حيث الإسناد.
وأما من حيث الوقف على سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: فقد ذُكر هذا الأثر في بعض المصادر المتأخرة، ولكن لم يثبت بإسناد صحيح عن سيدنا عمر رضي الله عنه. وقد تتبعه أهل العلم فلم يجدوه في المصادر المعتمدة المسندة، وإنما ذُكر في بعض الكتب المتأخرة بلا إسناد، أو بإسناد فيه ضعف وانقطاع.
قال العلامة المناوي في "فيض القدير" عند الكلام على بعض الآثار: إن مثل هذه الأقوال إذا لم توجد في كتب السنة المسندة المعتمدة، لا يجوز نسبتها إلى الصحابة الكرام، ولا إلى النبي ﷺ.
الخلاصة في الإسناد: هذا الأثر لا يصح مرفوعاً إلى النبي ﷺ، ولا يثبت موقوفاً على سيدنا عمر رضي الله عنه بإسناد صحيح، فهو أثر ضعيف الإسناد أو لا أصل له في كتب السنة المعتمدة.
ثانياً: التوجيه الشرعي والحديثي لهذه المقولة
أولاً: من جهة المعنى الشرعي:
- العقم قدر من الله تعالى: لا شك أن العقم أمرٌ مقدور من الله تعالى، ولا ذنب للمرأة فيه، ولا يد لها في ذلك. وقد قال الله تعالى: {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} [الشورى: 49-50].
فالعقم قد يكون من الزوج أو من الزوجة، وقد يكون من الله تعالى ابتلاءً واختباراً، وليس للمرأة ذنب في ذلك.
-
المرأة الصالحة خير متاع الدنيا: ثبت في السنة الصحيحة أن النبي ﷺ قال: «الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ» (رواه مسلم). ففضيلة المرأة الصالحة لا تقاس بالإنجاب فقط، بل بطاعتها لله ولزوجها، وحفظها لدينها وعرضها.
-
المرأة العقيم قد تكون خيراً من غيرها: قد تكون المرأة العقيم الصالحة خيراً من المرأة الولود التي لا تحافظ على دينها ولا تطيع زوجها. فالإنجاب نعمة، لكنه ليس مقياس الفضيلة الوحيد.
-
المواساة للمرأة العقيم: يجب على المسلمين مواساة المرأة التي ابتلاها الله بالعقم، وعدم احتقارها أو التقليل من شأنها، فهي مبتلاة بقضاء الله، وقد تكون من الصالحات القانتات.
ثانياً: من جهة التوجيه الحديثي:
لو صح هذا الأثر عن سيدنا عمر رضي الله عنه (وهو لم يثبت)، فإنه يُحمل على أنه رضي الله عنه كان يتحدث عن حالة خاصة، أو عن امرأة بعينها لا تؤدي حق زوجها، أو كان يتكلم عن فضل الإنجاب وتكثير الأمة، لا عن ذم المرأة العقيم بحد ذاتها.
وقد كان سيدنا عمر رضي الله عنه معروفاً بحرصه على تكثير الأمة، ولذلك كان يوصي بالزواج من الولود، كما في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: «تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ» (رواه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان). فهذا يدل على فضل الزواج من الولود، لكنه لا يعني ذم غير الولود.
ثالثاً: موقف الفقهاء والعلماء:
قرر فقهاء الحنفية وغيرهم أن المرأة العقيم إذا رضي بها الزوج، فلا يحل له طلاقها بسبب عقمها، بل إن كان قد تزوجها على شرط الإنجاب فله الخيار، وإلا فليس له أن يطلقها لمجرد العقم، لأن العقم ليس عيباً يوجب الخيار عند جمهور الفقهاء، وإنما العيوب الموجبة للخيار هي العيوب التي تمنع الاستمتاع أو الوطء نفسه.
قال العلامة ابن عابدين في "رد المحتار" (كتاب النكاح، باب العيوب): "العقم ليس من العيوب الموجبة للرد، لأنه لا يمنع الاستمتاع، وإنما يمنع الولد، والولد ليس من مقصود النكاح الأصلي".
ثالثاً: الخلاصة والفتوى
-
من حيث الإسناد: الأثر المذكور لا يصح مرفوعاً إلى النبي ﷺ، ولا يثبت موقوفاً على سيدنا عمر رضي الله عنه بإسناد صحيح، فلا يجوز نسبته إليهما على سبيل الجزم.
-
من حيث المعنى: العقم قدر من الله تعالى، والمرأة العقيم الصالحة خير من المرأة الولود الفاجرة، والإنجاب نعمة من الله يهبها لمن يشاء، ويمنعها عمن يشاء ابتلاءً واختباراً.
-
التوجيه الشرعي: يجب على المسلمين مواساة المرأة العقيم وعدم احتقارها، وأن يعلموا أن قيمتها عند الله بتقواها وصلاحها، لا بإنجابها.
-
نصيحة: لا ينبغي نشر مثل هذه الآثار الضعيفة التي قد تسبب أذى للمرأة العقيم، وتجعلها تشعر بالنقص، وهي غير مسؤولة عن ذلك.
نسأل الله تعالى أن يرزقنا الفقه في الدين، وأن يعاملنا بلطفه وكرمه، آمين.
والله تعالى أعلم بالصواب
المراجع المعتمدة (من كتب الحنفية):
- رد المحتار على الدر المختار – الإمام ابن عابدين الشامي (كتاب النكاح، باب العيوب).
- فتاوى قاضيخان – الإمام فخر الدين قاضيخان (كتاب النكاح).
- الهداية – الإمام المرغيناني (كتاب النكاح).
- فتاوى عثماني – مفتی محمد شفیع عثمانی (المجلد الثاني، كتاب النكاح).
- إمداد الفتاوى – مولانا أشرف علي التهانوي (كتاب النكاح).
- معارف القرآن – مفتی محمد شفیع عثمانی (تفسير سورة الشورى، الآية 49-50).
- فيض القدير – العلامة المناوي (شرح الجامع الصغير).